ابن قتيبة الدينوري

47

عيون الأخبار

والله ما أدري أأبصرتها * يقظان أم أبصرتها في الرّقاد قال : وكتب بعض العمال إلى صديق له : إنّي تصفّحت أحوال الأتباع الذين يجب عليهم الهدايا إلى السّادة في مثل هذا اليوم والتأسّي بهم في الإهداء ، وإن قصّرت الحال عن قدرك ، فرأيتني إن أهديت نفسي فهي ملك لك لا حظَّ فيها لغيرك ، ورميت بطرفي إلى كرائم مالي فوجدت أكثرها منك ، فكنت إن أهديت شيئا منه كالمهدي مالك إليك ومنفق نفقتك عليك ؛ وفزعت إلى مودّتي وشكري فوجدتهما خالصين لك قديمين غير مستحدثين ، ورأيت إن أنا جعلتهما هديّتي لم أجدّد لهذا اليوم الجديد برّا ولا لطفا . ولم أقس منزلة من شكري بمنزلة من نعمتك إلَّا كان الشكر مقصّرا عن الحق ، وكانت النعمة زائدة على ما تبلغه الطاقة ؛ ولم أسلك سبيلا ألتمس بها برّا أعتدّ به أو لطفا أتوصّل إليه ، إلا وجدت رضاك قد سبقني إليه ، فجعلت الاعتراف بالتقصير عن حقّلك هدّية إليك ؛ وقد قلت في ذلك : [ من السّريع ] إن أهد نفسي فهي من ملكه * أو أهد مالي فهو من ماله لمّا قدم معاوية المدينة منصرفا من مكة ، بعث إلى الحسن والحسين وعبد اللَّه بن جعفر وعبد اللَّه بن عمر وعبد اللَّه بن الزّبير وعبد اللَّه بن صفوان ابن أميّة بهدايا من كسى وطيب وصلات من المال ، ثم قال لرسله : ليحفظ كلّ رجل منكم ما يرى ويسمع من الردّ . فلما خرج الرّسل من عنده ، قال لمن حضر : إن شئتم أنبأناكم بما يكون من القوم ؛ قالوا : أخبرنا يا أمير المؤمنين ؛ قال : أمّا الحسن فلعله ينيل نساءه شيئا من الطَّيب وينهب ( 1 ) ما بقي من حضره ولا ينتظر غائبا . وأما الحسين فيبدأ بأيتام من قتل مع أبيه بصفّين ،

--> ( 1 ) ينهب : أي يجعله نهبا لهم وعطاء .